مجد الدين ابن الأثير
318
المختار من مناقب الأخيار
طريق نفسي وامتناعها عليّ ، ولكن لعلمي بأنّ الطّيّ « 1 » منزلة عظيمة عالية ، وهبة من اللّه تعالى جزيلة رفيعة ، لا يعطيها إلا من عرف قدرها ، فرغبت إلى اللّه تعالى فيها ، وسألته إدامتها والتفضّل بها عليّ ، فوهبها لي بفضله ، وكنت آكل ذلك القوت الذي كنت أكلته كلّه في ليلة واحدة [ أتناوله ] في ليلتين ، وكنت الليلة التي أطويها يأتيني شخص جميل الوجه ، حسن البشر ، نظيف الثياب ، بجام أبيض ، فيه عسل ، فيقول لي : كل . فألعقه فأصبح شبعان « 2 » . وهذا في المنام ، ثم فني القوت الذي كنت ادّخرته ، فكنت أجيء بعض الطرقات إذا اختلط الظلام إلى موضع أصحاب البقل ، فأتقمّم منه ما سقط منهم وبقيت على ذلك وقتا كثيرا ، ثم كنت أخيط القميص في القرية لقوم مساكين وأكتفي بأجرته أياما ، فبينا أنا يوم مارّا « 3 » أريد القرية في طلب الخياطة رأيت مسجدا في وسط مقبرة ، وفيه سدرة كبيرة فيها نبق « 4 » أخضر مباح ، فقلت في نفسي : هذا مباح ، وأنت تريد معاشرة الناس ومعاملتهم ، فلزمت المقابر أتقلّل من ذلك ، وآخذ منه دون البلغة ، حتى فني النّبق ، ثم بقيت بعد ذلك سنين قوتي العظام ، ثم مكثت بعد العظام قوتي الطّين اليابس والرّطب من الأنهار ، وكنت أحيانا لا أفرّق بين الطين الرطب إذا أخذته من النهر وبين الخبيص من طيبته عندي ، وما وجدت لاختلاف هذه الأحوال ضعفا من عقلي « 5 » ، ولا ضعفا في بدني ، وكنت عند أكل العظام أضعف « 6 » .
--> ( 1 ) الطّيّ : خمص البطن من الجوع ، وهو مصدر طوى يطوي : إذا تعمّد ذلك . اللسان ( طوي ) . ( 2 ) في ( أ ، ل ) : « شبعانا » مصروفة ، والمثبت من تاريخ ابن عساكر . ( 3 ) في تاريخ ابن عساكر : « يوما مارّا » ، والمثبت من ( أ ، ل ) . ( 4 ) السّدر من الشجر سدران : أحدهما برّي لا ينتفع بثمره ، والثاني ينبت على الماء يشبه شجر العنّاب ، وثمره النّبق ، وهو أصفر يتفكّه به . اللسان ( نبق ، سدر ) . وانظر معجم الألفاظ الزراعية للشهابي ص . ( 5 ) كذا في ( أ ، ل ) وفي تاريخ ابن عساكر : « ضيقا من عقل ولا ضعفا من بدن » . ( 6 ) زاد ابن عساكر في آخره : « إذا نتاولته » ، والخبر فيه 7 / 116 مطوّل .